الشيخ علي المشكيني
190
دروس في الأخلاق
ويجب على غير المعصوم أيضاً فيما ولّاه مِن المناصب الشرعيّة وترتيب آثارها والعمل بوظائفها ما دامت باقيةً ، مع رعاية عدم الوقوع في العصيان لأجلها ، وقد بيّن حدودها في الفقه ، وذلك كمنصب الإفتاء ، والولاية ، والحكومة على الناس ، والحكم والقضاء بينهم ، والمناصب الجنديّة والإداريّة ، وغيرها ممّا كانت مجعولةً من ناحية الإمام الوالي على الناس ، أو مَن نصبه الإمام والياً لإدارة أمور المجتمع ؛ فمن قصد بقبولها طاعة الإمام ، والشفقة على عباد اللَّه ، وإحقاق حقوقهم ، وحفظ أموالهم وأعراضهم ودمائهم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحفظ الحدود ، ومرابطة الثغور ، فهو من أفضل المجاهدات والعبادات . ومَن غصبها من أهلها ، وتقمّص بها ، أو لم يكن غرضه من قبولها من أهلها والتصدّي بها إلّا الجاه بنفسه ، والتلذّذ بعنوانه ، ولم يرتّب عليها ما هي مطلوبة لأجله ، فهو من الأخسرين أعمالًا « الَّذِينَ ضَلَّ . . . » « 1 » ، والذّم والوعيد بالهلاك ، ونحو ذلك واردة في هذا القسم . والحاصل : أنّ الجاه - كالمال - فقد يرى الإنسان له أصالة ، وله حرص في جمعه والاستلذاذ بتكثيره وتكنيزه ، وقد لا يكون الغرض إلّاإمرار معاشه ، وإدارة أمور مجتمعه ، وعمارة البلاد ، وإصلاح العباد . وورد من النصوص في هذا المقام : « مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةُ م بلِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُر » . « 2 » ثمّ إنّه يظهر لك من ذلك أنّ جميع الرئاسات والولايات والسَّلطات الموجودة في هذه الأعصار ، بل من بدء وقوع الانحراف في المناصب الإلهيّة ، وخروجها عن أيدي أهلها ، ومَن أهّله اللَّه لتصدّيها في الاجتماعات البشريّة ، باطلةٌ غير ممضاةٍ من الشرع . وأنّ جلّ المفاسد الواقعة بين الناس - لولا كلّها - من الكفر والشرك والفحشاء والمنكر وضياع الحقوق وهتك الأعراض وتلف الأموال والنفوس مستندة إلى ذلك الانحراف ، وتلك الولايات الخارجة عن سلطة صاحبها . وأنّ الرؤساء والمتصدّين للولايات والحكومات في المجتمعات البشريّة اليوم موقوفون غداً عند ربّهم ، مسؤولون بأسوء الحساب ، ومُعاقبون بأعظم العقاب . كيف ، وقد قال تعالى : « فَلَنَسَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسَلَنَّ
--> ( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 104 . ( 2 ) . القمر ( 54 ) : 4 و 5 .